يهمك: معرض «أنا بخير.. اطمئنوا»: تأريخ للحراك النسوي

إلى جانب «حكايات قصيرة عن النساء والعمل والحِراك»، كان العنوان الرئيسي الذي اختارته مؤسسة «المرأة والذاكرة» لمعرضها هو «أنا بخير.. اطمئنوا»؛ جملة مقتبسة من رسالة شاهندة مقلد لريم سعد ابنة وداد متري، أستاذتها، إثر اعتقالها سياسيًا عام 1978.

المعرض المقام في القاعة الفنية بالجامعة الأمريكية بوسط البلد بالتعاون مع متحف النساء في الدانمارك والمعهد الدنماركي المصري للحوار، ووحدة الأنثروبولوجيا ومعهد سينثيا نيلسون بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، ومركز طراز ( الأردن)، وورشة المعارف (لبنان)، يعتمد على فكرة الحكاية الشخصية كبديل عن الرواية الرسمية، من خلال الاحتفاء بنماذج لسيدات من المنطقة العربية، لا يجمعهن أي رابط سوى محاولاتهن المضنية لتحقيق أنفسهن وسط ظروف مجتمعية مقيِّدة، أو غير مسانِدة في أفضل الأحوال.

في أول قاعة العرض، نجد أنفسنا أمام جوازات سفر لجنسيات مختلفة معلقة أمام الحائط، في إشارة لوحدة حركة النساء، يجاورها عدد من  الوثائق أوالصور الشخصية لهؤلاء السيدات،  كصورة ندى عبد الرحمن وصديقتها، وهما تلعبان بأمواس الحلاقة في مواجهة المرآة، وصورة لمي قسيسة مع والدتها في قرطاج.

بعد تجاوز المقدمة الافتتاحية المجمعة، والتي تأتي تحت عنوان «عن الحراك»، تحظى كلٌ من هؤلاء السيدات بمساحة تسرد فيها حكايتها باسترسال أكثر، من خلال مقتنياتها الخاصة، كرسائلها الشخصية وشهاداتها التعليمية وأشغالها الفنية، وما إلى ذلك. وتتمركز الثيمات في الأغلب حول معاني النضال والصمود والتحقق، ويتفادى المعرض التركيز على مهن بعينها تحظى بتقدير رسمي، بل يوسع نطاق اهتمامه ليشمل سيدات من خلفيات اجتماعية ووظيفية متنوعة وبأحلام وطموحات ورؤي مختلفة أيضًا.

فمن وداد مترى المناضلة لتعليم المرأة، لصفية جمال النوبية التي عانت ويلات التهجير إبان تشييد السد العالي، مرورًا بمايسة مصطفى المرشدة السياحية وريم الجندي الفنانة اللبنانية، يحتفي المعرض بنماذجه التي يرى فيها مدعاة للفخر والاقتداء.

الألعاب المنعشة حاضرة في تنسيق المعرض بشكل يضرب عصفورين بحجر، فمن ناحية هناك الاشتباك مع الزوار عبر حثّهم على التفكير، ومن ناحية أخرى هناك دعم فكرة الاتصال بين نضالات النساء مهما كانت مجالاتهن. فمن يقرأ لافتة «النساء لا تتوقفن عن الحركة»، سيجد نفسه مرتبكاً عندما يصل لهذه الفقرة «وعلى مر حياتها ومسارها المهني كمعلمة، صارت وداد متري قدوة في نظر العديد من الطالبات، وكن يحرصن على الإعراب عن حبهن وتقديرهن لها من خلال البطاقات البريدية التي كانت تمتلىء بها حقائب وداد في أسفارها. وجاءت أولوية الأسرة في حياة هند رستم، وخاصة ابنتها، لتغير عالمها كليًا حيث حجبت حياتها الشخصية عن أعين الناس وتخلت عن مهنتها كممثلة مشهورة. ومن خلال مراقبة ما ترتديه النساء في المسجد في القدس، أضافت أم إبراهيم أشكالًا جديدة إلى أنماط التطريز التي تعلمتها في يافا قبل النكبة».

بهذا الشكل يضم المعرض بين الحكايات، ويخلص إلى أن الحراك واحد مهما تعددت الظروف.

وبنفس الاتجاه في لَضْم القصص، تتجاور حكايات شخصية لسيدات يبدو من الوهلة الأولى ألا رابط يجمعهن،  ففي زاوية «العمل ثم العمل ثم العمل»، يُسلّط الضوء على راوية محمد صانعة الخزف، والتي طورت مهاراتها بشكل أهّلها للمشاركة في معارض فنية بباريس.

وعلى بعد خطوات منها يُحتفى بهند رستم التي رسمت حياتها بقرارين مركزيين لم يحظيا في البداية بمباركة الوسط المحيط، فمرة تحدت أهلها لتقرر ممارسة مهنة التمثيل، ومرة لم تسمع إلا لنفسها، وتركت المهنة غير راضخة لإغراءاتها، لتختار حياة أسرية رأتها أقرب لمتطلبات المرحلة. في هذه الزاوية يقف المتفرج ليتأمل الأطباق الخزفية البديعة، ثم يسير خطوتين ليجد فستان هند رستم الشهير.

يعبر المعرض الحدود والجغرافيا محييًا نماذجه من فلسطين ولبنان ومصر. فمثلًا في  زاوية «النساء لا يتوقفن عن الحركة» نتعرف على بلسم أبو زور، الفنانة اللبنانية التي ولدت أثناء الحرب الأهلية، ونشأت بين نساء قريتها حيثُ كان معظم الرجال مسافرين إما للحرب أو العمل، ولما لم توافق أسرتها على انتقالها لبيروت لمزاولة عملها كفنانة تشكيلية، أقامت أول معرض لها في قريتها «تنورة» بالجبل، لتحظى بعد زيارة معلميها للمعرض وإشادتهم بها، بمباركة أهل القرية لطبيعة عملها.

يتحرك المعرض في الزمن بانسيابية تجعله يختار نماذجه من أجيال مختلفة، فمثلما يُحتفى بمناضلات في الأربعينيات كوداد متري، يعطي المعرض مساحة لنادية صفوت المولودة في الدنمارك عام 1996، والتي أعادت توزيع أغنية مصرية قديمة عندما  قدمت للالتحاق بمدرسة الموسيقى هناك، لأنها، وحسب ما تشير،  تفتقر إلى فهم الثقافة المصرية وتحاول تعويض ذلك من خلال اهتمامها بالموسيقى.

الأفلام لها مكانها أيضًا في المعرض، وذلك عبر فيلم قصير لحنان عبد الله يرسم بورتريهات لعدد من السيدات، إما بعقد لقاءات شخصية معهن مثل مقابلة راوية محمد أو باستخدام تسجيلات أرشيفية كما في حالة هند رستم.

لقراءة المحتوى من الموقع اضغط هنا

اقرأ

هل تريد الحصول على اخبار ومنشورات مركز المرأة والذاكرة في صندوق البريد؟ سجل في نشرتنا الاخبارية.

Subscribe to our mailing list