زهرة التحرير: سيدات مصر رائدات الكفاح في العالم العربي

لاقى معرض معرض «أنا بخير… اطمئنوا»، المُنظَّم حالياً في مسرح الفلكي، بالجامعة الأميركية في القاهرة، اهتمام وكالات الأنباء العالمية، ولا سيما انه يسرد قصص كفاح المرأة العربية، وبالتحديد المرأة المصرية.

فستان سهرة وجلباب وقارورة عطر وبكرة خيط مع قصاصات جرائد وصور فوتوغرافية وشهادات موثقة عبر مقاطع فيديو، تروي قصص كفاح النساء ونضالهن واقتحامهن المجال العام، هي ما يرويه المعرض.

يعكس المعرض قسوة المجتمع ونظرته للمرأة ضمن الفئات المهمَّشَة، ولكن كل قطعة في المعرض، سواء أمام لوحة المفاتيح أو خطابات للأهل أو فساتين مطرزة أو تذاكر سفر، تروي رحلة امرأة كافحت من أجل الغايات الكبرى كشق الطريق والبحث عن الذات وأيضاً من أجل العمل، وكيف يتوازى نضال المرأة في الفن والعمل السياسي والصناعات اليدوية، لينسج سرديات بديلة للتاريخ تتخطى قضايا «الجندر».

بجوار صورة لهند رستم مع ابنتها على شاطئ الإسكندرية في منتصف القرن الماضي، كتبت كلمات: «أنا معشتش سني، شبابي، كنت في السينما على طول، ما أقدرش أسافر، ما أقدرش أنام كويس، ما أقدرش آكل.. مقدرش أقول لك عشت شبابي المظبوط، لأ ما عشتوش، عشته بعد ما بطلت سينما»، كلمات تروي قصة حياة الفنانة هند رستم التي وُلدت في مدينة الإسكندرية عام 1931.

وفي سن الـ15، قررت هند أن تحترف التمثيل، وكانت أسرة والدها تعتبره مهنة سيئة السمعة، لذلك قاطعوها جميعاً.

والأمر اللافت في هذا المعرض الفريد من نوعه كيف يثير الشجون والحنين إلى الماضي، لدى المتلقين حتى من الرجال قبل النساء، فالمتلقي سيرى في قصص الكفاح أمه وشقيقته وابنته وخالته وجارته، وربما سيدركه الندم، إذا ما كان هو نفسه إحدى العقبات التي عرقلت مسيرة السيدة المكافحة في محاولتها لتحقيق ذاتها أو تأمين العيش الكريم لأسرتها، بينما تتبسم النساء أمام دواليب العرض والصور والمعلقات، كونهن يدركن قيمة أشيائهن الصغيرة ويقارنّها مع أشيائهن اللاتي يحتفظن بها، والتي دائماً ما تشد أزرهن وقت الشدائد أو حينما تعوقهن حواجز المجتمع عن العبور لمستقبل أفضل.

من بين مقتنيات المعرض شهادة تخرج كوكب حفني ناصف، أول طبيبة مصرية من university of london school of medicine for women 1933، وخطاب طويل على ورق تواليت من شاهندة مقلد في سجنها لريم سعد بنت وداد متري الرائدة في التعليم والنقابية المهمة، وجواز سفر فلسطيني عليه التاج الملكي البريطاني لإحدى المهجرات الفلسطينات في 1948.

تقول د. هدى الصدة، رئيسة مجلس أمناء مؤسسة المرأة والذاكرة لـ«الشرق الأوسط»: «يأتي المعرض ضمن مشروع أرشيف التاريخ الشفوي للنساء في المرأة والذاكرة والقائم بالأساس على توثيق حيوات النساء وتجاربهن، كنوع من المقاومة ضد الأنماط الثقافية التي تُحيل النساء إلى مواطنات من الدرجة الثانية»، وتلفت: «بدأنا في توثيق بدايات العمل النسائي في أوائل القرن العشرين، ونضالهن من أجل تحرير المرأة وانخراطهن في المجال العام، وقدرتهن على الفعل وإحداث التغيير».

وتضيف: «أرشيف التاريخ الشفوي للنساء، مثله مثل أرشيفات الفئات المهمشة في المجتمعات المختلفة، يعمل بشكل واعٍ على تعويض النساء عن سنوات الإقصاء من خلال تسليط الضوء على حيواتهن وإسهاماتهن، ليس من منطلق الانحياز السلبي ضد فئة أو مجموعة، ولكن من منطلق سد الفجوات المعرفية وتحقيق التوازن على المدى البعيد، أو التمييز الإيجابي لفترة من الزمن والعمل على طرح تصورات مغايرة عن المجتمع والتاريخ.

بينما تشير ميسان حسن، منسقة البرامج في مؤسسة المرأة والذاكرة، وإحدى المسؤولات عن المعرض: «ما يقدمه المعرض هو جزء صغير من المقتنيات والمواد الأرشيفية المحفوظة في المؤسسة على مدار 20 سنة مضت، وهو نواة لمتحف للنساء يوثق تاريخهن الشفاهي». وتضيف: «يدمج المعرض قصصاً متنوعة أمام الجمهور، لكي يتعرفوا على تجارب النساء من مختلف الطبقات والبلدان، فمثلاً، سيجد المتلقي مقتنيات الفنانة المصرية الراحلة هند رستم بجوار قصة سيدة غير معروفة مثل راوية محمد التي تجهل القراءة، لكنها تعلّمت صناعة الفخار وأصبحت معلمة ومرشدة في مجالها وسافرت إلى أوروبا، في رسالة مفادها أن كل التجارب ملهمة وتستحق توثيقها».

تلفت الأنظار لوحة من المفاتيح الملَوَّنة وهي عبارة عن عدد الشقق التي أجرتها إحداهن بعد الانتقال من بيت أسرتها إلى القاهرة، ولكل مفتاح حكاية، فهذه الفتاة لم تسكن فقط في تلك الأماكن واقتنيت مفاتيحها، بل اقتنت أيضاً صداقة وحيوات زميلاتها في السكن، واحدة بعد الأخرى، ولكل منهن حكاية ورحلة تقاطعت مع صاحبة المفاتيح.

وأسفل دولاب عرض يحوي منديلاً مطرزاً، تروي الأردنية مي قسيسية المولودة في عام 1952 حكايتها معه، حين طرّزته وهي طفلة صغيرة، لكنها تعتبر التطريز وسيلة دفاعية تعبر من خلالها عبر الحواجز والحدود الزمانية والمكانية رافقتها عند تنقلها من بلد إلى بلد، حتى أثناء إقامتها في الولايات المتحدة الأميركية، وهي تدين لفن التطريز بتعليمها الصبر وإتقان العمل والتفاني فيه.

أما لوحة «أرجوحة 2011»، للرسامة اللبنانية ريم الجندي، تجسد فتاة على أرجوحة رأسها لأسفل، شعرها متطاير، وترفع قدميها لأعلى في رشاقة، تلك القدم التي تعبّر رمزياً عن مواجهة الفتاة لقسوة المجتمع بكل ما أوتِيَت من قوة، فهي تحلق بأبسط الأدوات لتحقق أحلامها وتدافع عن حقها في ذلك حتى ولو بقدميها.

يستمر المعرض حتى 23 من الشهر الحالي، وهو يروي قصص كفاح 21 سيدة، ويأتي المعرض نتاجَ عملٍ مشترك بين مؤسسة المرأة والذاكرة (مصر)، ومتحف المرأة في الدنمارك (الدنمارك)، والمعهد الدنماركي المصري للحوار (مصر – الدنمارك)، ووحدة الأنثروبولوجيا ومركز «سينثيا نيلسون» في الجامعة الأميركية بالقاهرة (مصر)، ومركز طراز (الأردن)، وورشة المعارف (لبنان). ومن المنتظر أن يجوب المعرض عدة دول عربية حيث ينتقل إلى بيروت وعمان بالأردن.

لقراءة المحتوى من الموقع اضغط هنا

اقرأ

هل تريد الحصول على اخبار ومنشورات مركز المرأة والذاكرة في صندوق البريد؟ سجل في نشرتنا الاخبارية.

Subscribe to our mailing list