المدن: “أنا بخير اطمئنوا”.. نحو متاحف للشقاء في الشرق الأوسط

بكرة خيط، ورقة حكومية، منديل وقطعة قماش، بكرات تصفيف شعر، قنينة عطر، وجلباب معلق على حائط، وفى الخلفية حكايات عن حياة 21 امرأة.

بخلاف المعارض العادية لا يعتمد “أنا بخير اطمئنوا” على فنية القطع المعروضة، بل على الحكاية وراء كل قطعة، كل البيوت المصرية والعربية تضم نماذج من المعروض، وهذه ببساطة رسالة المعرض؛ أدراج النساء ستصنع متحفا مفتوحا للشقاء والمعاناة، للشدة والضعف وقلة الحيلة، وللحظات نادرة من القوة واثبات الوجود.

المعرض أخذ عنوانه من فقرة أخيرة في رسالة شاهندة مقلد إلى الباحثة في العلوم الإنسانية ريم سعد، ابنة وداد متري التي تعتبر من رموز الحركة الشيوعية المصرية، كتبتها على ورق الحمام في 12 ديسمبر 1978 عندما كانت تقبع خلف القضبان كمعتقلة سياسية، رسالة لافته، مؤلمة وكاشفة عن أوضاع السجون في تلك الحقبة “أقيم في حجرة ظريفة جدا سوف تعجبك، وهي 50ر2 × 50ر1 متر بارتفاع 7 أمتار تقريبا، بها فتحة عبارة عن 75 سم× 50 سم مقفلة بقضبان حديدية وضلفتين خشبيتين، باب حديد تعلوه أيضا فتحة مقفلة بقضبان حديدية أسدها ليلا بأوراق الجرائد”.

تتحدث فيها أيضا بسخرية موجعة عن تقسيمها لحجرتها (الظريفة) لحجرة جلوس، وغرفة طعام، وحمام. وعن الراديو تسليتها الوحيدة “ينقل لي كامل أخبار العالم وبالذات صوت مصر العروبة وفيه سمعت نبأ القبض على ونبأ المحاكمة أيضا، أما ما سمعته وزاد شجوني وأسعدني في الوقت نفسه فهو صوت صافي (صافيناز كاظم) وهي تغني مع الشيخ (إمام): يا مصر قومي وشدي الحيل لا تجزعي من بأس الغير.. ساعتها أحسست بأنها توجه كلماتها لي وحدي وبكيت ألما لبعادها وفرحا بسماع صوتها العذب الحنون”.

وفي العرض تتجاور تلك الرسالة مع شهادة تخرج كوكب حفني ناصف (أول مديرة مستشفى في مصر) من مدرسة لندن الطبية للنساء بكلية لندن الجامعية في عام 1933، ومفاتيح ندى عبد الرحمن الـ20 التي احتفظت بها كذكرى للسكن الذي تشاركته مع أخريات عندما انتقلت إلى القاهرة.. فما الذي يجمع هذا كله؟!

ما الذي يجمع مقتنيات المناضلة الشيوعية والمعلمة وداد متري بالفنانة هند رستم وفنانة الفخار راوية محمد والمرشدة السياحية مايسة مصطفى، وصفية جمال التي عاشت في النوبة حتى عام 1948 عندما تزوجت وانتقلت إلى القاهرة؟

وإلى أي حد تتشابه قصة زينب التي تركت الصعيد وانتقلت إلى العاصمة للعمل بالمنازل، مع حكاية أم إبراهيم الفلسطينية عاملة التطريز التي تمتلك وتدير ورشة في مدينة عمان، أو الفنانة التشكيلية بلسم أبو زور، والرسامة ريم الجندي، والإحصائية حياة شريف من لبنان، والرسامة العراقية وداد الأورفه ورقية السنتريزي والأردنية مي قسيسية، والموسيقية المصرية نادية صفوت التي ولدت وتعيش في الدنمارك، وأخريات؟

يجمعهم رحلة طويلة من الشقاء والمعاناة لإثبات الوجود في مجتمعات لا ترحم، وتحدي المجتمع الذي لا يقبل وجود المرأة إلا في قالب واحد، لا يمكن الخروج عنه.

ركن هند رستم يزينه فستان سهرة أحمر، كانت قد ارتدته في فيلم “الجسد”، بجواره فاترينة بها  حذاء ونظارة وجواز سفر صادر بتاريخ 30 أغسطس 1955، وكارنيهات عضويتها بنقابة المهن التمثيلية، وزجاجة عطر. وعلى الحائط عُلقت أفيشات لأربعة من أفلامها “اعترافات زوج” و”الحلوة عزيزة” و”ملكة الليل” و”سيد درويش”. وفي الخلفية يأتي صوتها المميز  في تسجيل صوتي تتحدث فيه عن الندية التي تعاملت بها مع رجال الصحافة والإعلام السياسة.

المسار الذي يتخذه المعرض للتأريخ لحياة النساء ملفت لأن تاريخ النساء في الشرق الأوسط ينوء بعبء إهمال تاريخ النساء عامة، كما ترى جوديث تاكر أحد أهم من أرخوا لتاريخ المرأة في الشرق الأوسط، وفي تقييمها للمعرض انتبهت د. شيرين أبو النجا إلى فكرة الـتأريخ تلك، للتأريخ بالأشياء العادية إن صح التعبير، ترى إن “ما بعد البنيوية” عمدت إلى طرح العديد من الأسئلة على ما اعتمد بوصفه تاريخاً رسمياً، وأسست من ثم مذهب “التاريخانية الجديدة”. وهو يقدم قراءات مختلفة للتاريخ عبر مصادر جديدة، تختلف عن تلك المتعارف عليها كالصور الفوتوغرافية والخطابات والشهادات والمقتنيات، وأيضاً المقابلات التي تدخل في إطار التاريخ الشفوي (في مقابل المكتوب من الطرف المنتصر).

وتقول إنه وفي حين أصبح التاريخ الشفوي- ومعه السير المسرودة والمقابلات وجهاً لوجه- مجالاً شبه مستقل في البحث، ظلّ يتداخل ويتقاطع مع دراسات الذاكرة، ليشكلا معاً أحد أهم وسائل إعادة النظر والتفكير في مسلمات تاريخية، وإلقاء الضوء على ما صنف حدثاً هامشياً. والأهمّ أنّ هذه الوسائل تساعد على إعادة النظر في وضع النساء وعلاقات الجندر التي تقوم على أساس علاقات قوى يصعب كثيراً خلخلة مواقعها.

وبالعودة لدراسة جوديث تاكر المهمة عن نساء مصر سنجد أن الرؤية الخاصة بوجود تاريخ شعبي أو جماهيري، باعتباره فوق كل شيء هو تاريخ المقهورين وتاريخ ضحايا المسار التاريخي، هي رؤية تتضمن عنصرا من الحقيقة ولكنها تتجاهل الدور الحقيقي الفعلي الذي لعبه هؤلاء في تشكيل هذا المسار، فالنساء تعرضن بسبب جنسهن تحديدا إلى التمييز وخضعن للقيود، لكن وفي الوقت نفسه أسهمت قدرتهن على إقامة مؤسساتهن الخاصة ونضالهن من أجل بعض الحقوق إلى الشارع في صنع تاريخهن، كما كافحت نساء كثيرات لحماية العادات وأشكال العلاقات الأسرية التي كانت تبدو في صالحهن، وعلى المستوى الأعم الخاص بالتمرد الجماهيري، وعلى الساحة المصغرة المتمثلة في المعارك الفردية “ويشكل دور النساء في بناء تاريخ مصر الحديث جانبا نهائيا وحاسما في تاريخ نساء تلك الحقبة”.

وبحسب اللوحات الإرشادية فإن المعرض يهدف للغرض نفسه، الرغبة في الترويج لتراث النساء في مختلف أنحاء المنطقة العربية وإيجاد إطار لإقامة المعارض والمتاحف التي تتناول حيواتهن “نسعى إلى تسليط الضوء على وضعية النساء في التاريخ والمجتمع، وهو ما نأمل أن يكون عاملا مساعدا تسترشد به المناقشات العامة وعمليات وضع السياسات في المنطقة”.

انخرط فريق عمل المعرض في عمل مكثف لأكثر من 12 شهرا وشاركن في حلقات عمل تركز على الدراسات النسوية وتوثيق التاريخ الشفوي وحفظ المقتنيات والاتصالات في المتاحف، وخلال فترة عملهم تطرق الفريق إلى العديد من القضايا في مجال التراث “وجدنا أن التراث المعاصر هو بمثابة جوهرة تكاد تكون منسيه تماما في عالم المتاحف اليوم”.
(*) معرض “أنا بخير اطمئنوا.. حكايات قصيرة عن النساء والعمل والحراك” هـو نتاج عمل مشترك بين مؤسسة المرأة والذاكرة من مصر، ومتحف المرأة في الدنمارك والمعهد الدنماركي المصري للحوار ووحدة الأنثروبولوجيا ومركز سينثيا نيلسون في الجامعة الأميركية في القاهرة ومركز طراز في الأردن وورشة المعارف في لبنان. ويستمر حتى 23 مايو/أيار بقاعة الفلكي في وسط القاهرة. ينتقل بعدها من القاهرة إلى بيروت ثم إلى عمان.

لقراءة المحتوى من الموقع اضغط هنا

اقرأ

هل تريد الحصول على اخبار ومنشورات مركز المرأة والذاكرة في صندوق البريد؟ سجل في نشرتنا الاخبارية.

Subscribe to our mailing list