حكاية تاء «مش» مربوطة – مقالة صحفية/ الأهرام

كتبت: سناء صليحة

على أنات عود وزغاريد دف تداخلت مع أصوات نساء لا يختلفن فى ملامحهن ولا فى ملبسهن عنها اللهم إلا فى أنهن اخترن اللون الأبيض بينما تسربلت هى بالسواد كعادة الفلاحات ونساء هن ملح الأرض عندما ينتقلن من بند البنات لصفوف المتزوجات والأرامل و العوانس،استنامت لأغنية شعبية رددتها مجموعة النساء اللاتى لم يفصلها عنهن سوى بضع خطوات قطعتها لتنضم إليهن لتروى حكاياتها وتغنى أغانى البنات التى ترددت فى فضاء قرية هجرتها يوم قرر أبو العيال أن يشد الرحال بحثا عن لقمة عيش تصور أنها أوفر وأسهل فى عاصمة المحروسة ..

حكاية أم سيد وبنت سنية وأى بنت وأى ست سطرتها فى السطور السابقة ليست من نسج خيالى فهى واقعة حقيقية تتابعت أحداثها فى قاعة الفنون فى المجلس الأعلى للثقافة فى يوم المرأة المصرية..ففى تلك الأمسية قررت مجموعة من النساء اللاتى لا تلاحقهن الأضواء ولا يسعين إليها أن يروين فى النور والعلانية تجارب النساء الحياتية المسكوت عنها بعيدا عن القوالب التقليدية من خلال الحكي و التفاعل الحى بين  الراوية والمشاهد  ليصبح كلاهما طرفا فى الحكاية ومبدعا لها أو طبقا لعنوان  اخترنه لأنفسهن وللجمهور «أنا الحكاية»..

والحقيقة أن التجربة التى تبنتها مجموعة من النساء عددهن لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة والتى تعيد للذاكرة تجربة «قالت الراوية» التى تبنتها مؤسسة المرأة والذاكرة فى تسعينات القرن الماضي، تتجاوز إشكالية الصفحات المفقودة من تاريخ إبداع المرأة والتقسيمات التى فرضتها رؤى نقدية حول مفاهيم الإبداع النسوى أو النسائى أو إبداع نصرة المرأة ، والتناقض الذى فرضه هجوم البعض على إبداعها ووصمه بأنه يسعى للتمييز أو اكتساب أرضية لا تجور على حق الرجل أو القبول المتحفظ واعتراف يتم التفضل به وكأنه صك من صكوك غفران العصور الوسطي!!..

 ورغم أن صفحات التاريخ المنقوصة تروي  شذرات متناثرة عن ظرف مجتمعى اعتبر إبداع المرأة وممارستها للفنون علانية فعلا يقلل من مكانتها ويستوجب العقاب أو الاعتذار مما اضطر المبدعات فى بدايات القرن الماضى للتخفى فى البداية وراء أسماء مستعارة مثل باحثة البادية أو بنت الشاطئ أو بنت النيل، وأصل الإحساس بالدونية لدى البعض الآخر لتضطر فاطمة سرى أن تتنازل طواعية عن ابنتها لتتربى فى كنف هدى شعراوى وأن تودع أخريات حلم تكوين أسرة وأمومة أو يعتزلن الإبداع باعتباره عملا لا يليق بربات الخدور، إلا أنها أيضا تسجل علامات طريق طويل كان على المبدعة المصرية أن تتحمله بصبر وجلد لتستعيد حقها الأصيل فى التعبير عن ذاتها وعن رؤيتها للعالم من حولها دون وسيط أو متحدث باسمها . فعلى الطريق الذى سارت عليه المبدعات تطالعنا أسماء لكاتبات مصريات بزغ نجمهن فى العصر الحديث، بدءا من عائشة التيمورية و ملك حفنى ناصف و سهير القلماوى ود. عائشة عبدالرحمن وأمينة السعيد و صوفى عبدالله وغيرهن من الأسماء التى تركت بصمتها فى سماء الفن ، وصولا لمبدعات الظل فى القرن الحادى و العشرين اللاتى استطعن من خلال تجربة الحكى تجسيد واقع مركب مثقل بالتناقضات والهموم يعبر عن واقع البيئات الشعبية والطبقة المتوسطة من خلال نصوص بسيطة تتعدد فيها الأصوات وتستفيد من البعد الأسطورى والحكى الشعبى لتكشف دون حذلقة علاقة المرأة بذاتها وبالعالم الخارجى وأمالها وإحباطاتها..

توالت الحكايات عن وأد حلم التعليم والعمل لستر البنات وصور مقاييس للجمال لا تتعدى المظهر الخارجى وانتهاك الروح والجسد وقتل الحلم  و..و..

يقول استاذنا د. احمد مرسى أحد اهم رواد دراسات الفلكلور مستشهدا بموروث طويل من الحكي  إن المرأة أعظم راوية فى التاريخ .. وادعى ان المبدعة المصرية فى القرن الحادى والعشرين وأن كانت فى الظل جدلت من واقعها والتراث الشعبى والحكى نسيجا مخمليا يعبر عن حلم تاء مش مربوطة لكل صاحبة حكاية.

لقراءة المحتوى من موقع الجريدة اضغط هنا

هل تريد الحصول على اخبار ومنشورات مركز المرأة والذاكرة في صندوق البريد؟ سجل في نشرتنا الاخبارية.

Subscribe to our mailing list